مدونات أنا أدوِّن، إذاً أنا..
رقمٌ مكرَّرٌ من بين ملايين الأرقام التي تراها حولك، إنسانٌ تبصره في وجوه آلاف الأشخاص الذين تقابلهم يوميًا ثمَّ تسأل نفسك: من أين يأتي كل هؤلاء؟
لستُ مصلحًا توعويًا ولا واعظًا ولا فيلسوفًا مثقفًا ولا أديبًا تتقافز حوله الدعوات الصحفيَّة.. لم أعتل يومًا منبرًا، ولم تعقد معي مقابلة في صحيفة، ولا ارتفع صوتُ قلمي إلاَّ مرَّةً واحدةً في ”مجلَّة ماجد ” عندما كان عمري 12 عامًا!
أشبهك.. أشبه أكثركم، علاقتي بالصحف لا تتعدى التصفح السريع واستخدامها كسفرة فطور مجانيَّة، أدرس في الجامعة لأنَّه من الواجب عليّ أن أفعل ذلك، أقرأ الشعر والأدب لكنِّي لا أجرؤ على كتابة بيتٍ واحد، أحبّ السياسة ولا أتعاطاها إلاَّ بالخفاء، فللهواء آذانٌ تمتصّ حرياتنا!
لديّ – مثلك تمامًا – الكثير من الأفكار والرؤى البسيطة، لديّ أحلامٌ بتغيير العالم وفلسفاتٌ غير منمَّقة وأفكارٌ لا تعترف بها الصحافة ولا ينظر إليها الإعلام التقليديّ، لا أرغب بالتملُّق لأحد ولا يعنيني أن أكتب حول الوزارات والمؤسسات والبيانات الرسميَّة..
لكنني..
أريد أن أقول أشياء كثيرة للآخرين! تهمُّني جامعتي وظروف صديقتي الاجتماعيَّة وآخر صرعات Google وتصميم مواقع الويب.
لا أؤمن بأوباما ولا أثق بنتائج المقاطعة الدنماركيَّة.. وحذاء منتظر لا يردّ – من وجهة نظري – ذرة أكسجين واحدة تاهت عن أنفاس مليون عراقي داستهم أحذيةٌ أمريكيَّةٌ مشتعلة!
يعنيني المطر.. يعنيني المطر الذي يسقط باردًا على أرض جدة.. يعنيني المطر الذي يبلل شرفة منزلنا ونوافذه.. يعنيني المطر الَّذي أعبّئ يدي به ثمّ أشربه!
يعنيني الحزن والبحر، أريد أن أخبر النَّاس عن البحر الَّذي أراد أن يغسل مدينتنا بالماء المالح، فقتلته مدينتنا ببقايا الملاعق البلاستيكيَّة والأطعمة السريعة ووجبات “البيك”..
يعنيني أن أكتب حول البيك، لأنّ البيك وجبة شعبية في جدَّة، نتزاحم حول مطاعمها ونسترجي الهنديّ أنَّ يضيف لنا المزيد من الثوم والكاتشب.
أريد أن أتحدَّث حول أشياء تهمّ العالم بطريقةٍ تخصني، دون أن يُسكتني أحدهم، ودون أن ينتقد “رئيس التحرير” مقالي الأسبوعي، أو تلزمني مجلَّة نسائية بالحديث حول الديكور والمطبخ واللون الفوشي!
شيءٌ ما.. يشبه أن أعبّئ دمي في قوارير حبر فارغة، في ”مدوِّنة” لا تهتمُّ إن كان دمي مثخنًا بالأكسجين، أو أزرق يعجز عن حمل كريةٍ بيضاء واحدة، مدونة لا تنظر لثقافتي ولا لشهاداتي ولا لأرصدتي البنكيَّة، ترفع عينيها إلى الأعلى قليلاً ثمّ ترسم ملامح اسمي، وتسمح لروحي بالسفر..
أن تصبح مدونًا، أمرٌ لا يطلب منك إلا أن تتذكَّر جيدًا بأنَّك ”إنسان”.. إنسانٌ مسلم، لروحك حقٌّ عليك، في أن تكون لها رؤى خاصَّة وفلسفات وأحلام وتأمَّلات، ألا تكتفي بالنظر إلى الأرض بشرودٍ دون أن تدقق في تعرجات وجهها وتحاول تجفيف الدمع المنسكب عليه، كما أنَّ لعقلك حقّاً عليك، في أن تكون له معارف ومذاهب ومبادئ يتبناها، يعيشها لحظةً بلحظة، ثمَّ يتقاسمها مع عقول الآخرين عبر مدونةٍ صغيرة ليساهم في بناء حضارةٍ كبيرة!
منذ أكثر من 50 عامًا، تفاءل المفكرون بأنَّ عالمنا العربيّ يتقدَّم خطوةً إيجابيَّةً نحو الحضارة العظمى، وأنا لا أتفاءل مثلهم، ليس لأننا نفتقد إلى الموارد اللازمة التي يمتلكها غيرنا، بل لأننا أفقدنا الإنسان قيمته في إحداث التغيير، ما زال عالم الأشخاص في بلادنا عاجزًا عن الفعالية والمبادرة، لقد فقد حقّ التعبير عن نفسه، ولا يمكن لمن فقد ذلك أن يحتفظ بحق العمل والتنفيذ.. إننا نحتاج إذاً لإحداث ثورةٍ إعلاميَّة قبل أن نفكِّر في إحداث تغيير حضاري، نحتاج لأصواتٍ تحاول صوغ نوعٍ جديدٍ من الإعلام يحكمه الفرد تحت مراقبة الله أولاً ومراقبة النفس ثانيًا. لماذا لا تبادر أنتَ؟، أنشئ مدونتك وأطلق لأفكارك لوحة المفاتيح، نحن بحاجةٍ إليك، كلنا بحاجةٍ إليك، فساهم في بناء أساسٍ لإعلامٍ جديد، لا تتدخل في قواعده المؤسسات ولا تحصره القوانين الغوغائيّة، اكتب.. اكتب لنا عن نفسك، عن تفاصيل أفكارك وأحلامك، عن الإنسان المتمرد داخلك، عن أنشطتك الاجتماعيَّة ونظرتك المختلفة تجاه ما يحدث في عالمنا، اكتب لنا باسمك الإنسان.. باسمك العربي.. باسمك المسلم.. وابدأ رحلة التغيير، فالحرب أولها الكلام!
—- e7san1988.wordpress.com


